ألخص ما كتبت في العلم ٦
تعلمت تقنية التصوير بالموجات الفوق صوتية، وتطبيقاتها، كانت الهندسة كما قلت هي الساحر الذى يحقق الخيال وينقله إلى واقع وكانت أمامي الفرص الكثيرة لكي أعمل في ممارسة الأعمال التجارية، ولكنني لم أختر هذا الطريق، وإخترت الطريق الأصعب أدركت أن الطريق الحقيقي لنقل أى تكنولوجيا أو إستحداثها،هو البحث والتطوير، وأدركت أن الله قد جعلني في وسط أحداث البحث والتطوير لكوني عضواً مؤسساً بقسم الهندسة الطبية، وساهمت في بناء أول وحدة للموجات الصوتية في مصر (مركز نقل التكنولوجيا) بالقصر العينى وعلمت يقيناً أن العلم وتعلمه هو مفتاح المستقبل، قررت عمل ماجستير في علاج الاورام بالإشعاع والطب النووى، وفي إطار العمل داخل القصر العينى أثناء عمل الماجستير إنفتح باباً آخر من التطبيقات الهندسية في العلوم الإكلينيكيه ..
ومن خلال إشراف مشترك بين جامعه القاهرة ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ببوسطنMIT حصلت على أول منحه لإتمام رسالة الدكتوراه في الهندسة الطبية، وكانت في تطبيقات الموجات فوق الصوتية للتشخيص والعلاج لحالات الإصابه بالبلهارسيا والمؤدية لتليف الكبد، بتعاون مشترك مع كلية الطب بجامعه هارفارد، كما حصلت على منحة من نفس المعهد لدراسةعلاج الأورام بإستخدام الموجات فوق الصوتية المركزة في العلاج بطاقات عالية، مع إستخدام الموجات الصوتيه للتشخيص في تحديد أماكن الأورام أو ثانوياتها، في نفس وقت تعريضها لجلسات العلاج الحراري، وقد أصبحت الآن جراحة الموجات فوق الصوتية المركزه (focused ultrasound) هي تقنية موسعة، باستخدام مزيج من الموجات فوق الصوتية المركزة عالية الكثافة (HIFU)، حصلت على درجه الدكتوراه في الهندسة الطبية، ومن بعدها على درجة الماجستير في علاج الأورام بإستخدام التأثيرات الحراريه المركزة للموجات الصوتية، ومع مرور السنين رأيت زيادة الفجوة في البحث والتطوير والصناعة والتكنولوجيا، بين بلادنا وعموم الغرب والشرق، وزاد العمي لرؤية مستقبل العلم والجهد الذي يبذل من أجله دون إنتظار لأجر، رحم الله الشيخ الغزالي لخص هذه الفجوه في كلمات من ذهب فقال الويل لأمة يقودها التافهون، ويُخزى فيها القادرون، ولا أدري لماذا تهتاج أمة لهزيمة رياضية ولا تهتز لها شعرة لهزائمها الحضارية والصناعية والاجتماعية، التدين المغشوش قد يكون أنكى بالأمم من الإلحاد الصارخ، إذا أردت أن تُغير وضعًا خاطئًا فعليك بتجهيز البديل أولًا قبل أن تبادر بتغيير هذا الوضع، من المألوف في تاريخ النهضات أن اليقظة العقلية تسبق دائمًا النشاط السياسي والاجتماعي.. وأضيف أننى تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء، و لا للصدف العارضة ((إنا كل شيء خلقناه بقدر)) ولا يمكن بناء شىء إلا بالعمل الصادق لوجه الله والجزاء من عنده وقد يكون في الدنيا ولكن الجزاء الحقيقى في الاخرة، وحكمة الله العميقة في الجزاء قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية السطحية القريبة، كنت في كل المراحل التعليمية دائم التفكير في تقييم ما أفعل كونه نافعاً أو غير نافع، وكنت ولا زلت على يقين أن الله سيحاسبنا عن كل جهد بذل وكل نية منعقدة في بذله مهما صغر أو كبر…وكنت على يقين أن ما أعمل هو عين العبادة…
وأنا في مشوار ما بين السنة الثالثة في الطب وبين عمل ماجستير الهندسة مررت بتجربة كانت بمثابة امتحان في فهم هذا الدين الذى قدس العمل وجعلها مخ العبادة، تقدمت لخطبة فتاة من عائلة كريمة، تبين لي بعد الخطبة أنها تتبع طريقة صوفية هى الطريقة البرهانية، ورغم علمي ببعض منها إلا أننى لم أعرف ما كنه هذه الطريقه، كنت أحضر ندوات للشيخ الملطاوى في ٥٢ شارع سوريا وكان موقفي من«التصوف» أن به معانى جميلة كالزهد، والورع، وصفاء القلب، وقد يحمل أمور بدعية وعبادات محدثة في بعض الطرق، والحقيقة أننى لم أرى من الشيخ الملطاوى أياً من هذه البدع، مثل الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، هناك في التصوف إجمال يحتاج إلى تنقية، يقول ابن تيمية : <<لفظ التصوف قد أُدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سميت تصوفاً؛ لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تُسمى باسم آخر، وقد أُدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يُدخِل فيه بعضهم نوعاً من الحلول والاتحاد، والرهبانية المبتدعة في الإسلام >>فأصبحت مع بعض هذه الطرق الفكرة الشائعة عن الدين أنه عدو للحياة، والعمل ، والزواج …وأن وظيفه الدين الأولى هي إعداد الناس لاستقبال الدار الآخرة بأنواع الأوراد وأشكال العبادات بعيدا عن العمل وإتقانه وهذه التصورات كلها خيال بعيد عن الإسلام.
الطريقة البرهانية في مصر أو السودان آمن أصحابها بأشياء اعتبرتها من الخزعبلات وممارسة الدجل على مرأى ومسمع من الجميع في حضرات آل البيت، وكثير من مقامات الأولياء، أسسها الشيخ السودانى محمد عثمان عبده البرهاني واحدة من الطرق التى أحاطها التكفير من كل جانب متمثلا ً في كتابه “تبرئة الذمة في نصح الأمة”، حيث ذكر فيه الكثير من الكلام العاري عن أى حقيقة، تقابلت مع الشيخ ع.م رحمه الله عليه في إطار أن يقنع الفتاة بالعدول عن هذه الطريقة، فوجئت أنه كان منحازا للطريقة، وقال لي إنك لن تستطيع أن تفهم هذا الكلام إنهم أهل الروح وأنت أهل المادة وخرجت ولم أعد…..وبقيت على رأى أهل الحق كما أراهم.
آمن كثير من الناس أن كونك متدينًا عالماً بالحق – ويمكن أن تسمو بالروح – يتعارض مع كونك تعلم شىء من علوم الدنيا أو أنك تتقن أى عمل في الحياة، وظننت أن الأمور واضحة بالنسبة لي، ولم أكن أعلم أن كثير من أصحاب الرأى السديد في الدين ما هم إلا شياطين يُمزجون ما يكفي من الحقيقة مع قليل من سموم الكذب ليجعلونا نصدقهم، ويسارعون دائما في الإيذاء…لم أُظلم في حياتى بقدر ما أوذيت من مدعيٍ الدين الذين إكتشفت بعد قليل أنهم أردأ الناس وذهب الله بهم إلى مزابل التاريخ، ولكن والدي رحمه الله عليه، ووالدتى مدها الله بالصحة والعافية، نصحوني بأننى لن أنجح في حياتي بحُسن الظن بالناس وبالطريقة المتقنة التى أريدها، وأن الحياة ليس بها حبكة يمكن التنبؤ بها …
في إطار الإنتقال إلى التطبيق العملي للموجات الصوتية سافرت إلى النمسا لشراء جهاز موجات صوتية سنه ١٩٨٦ من شركة Kretz كرتز، وكانت من أفضل الأجهزة في ذلك الوقت إشترتها شركة جنرال إلكتريك فيما بعد ولازالت تحتفظ باسمها العريق.
أعجبت بقصة مؤسسي الشركة وسأقوم بسردها إن شاء الله …
#حب_العلم #خواطر_عالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *